• ×

08:34 مساءً , السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019

قريتي الوادعة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحنين شوق وتوق وصبوة ونزعة ألم و كآبة تحدثها الحسرة على ما فات وأبتعد قد يكون إلى عالم طفولي برئ من المطامع والمطامح والمصالح والأهواء بعيد كل البعد عن سوء الظن و الغيرة والحسد والحقد والازدراء، عندما كان الطفل يعتبر كل الناس أتقياء ، أنقياء ، أصفيا ، لا يخفون وراء ابتساماتهم ضغينة ولا يظهرون له عكس ما يبطنون بعد أن عرف واطلع على جوانب من الطبيعة البشرية كانت خافية عليه ، لكنى التأوه والدموع لا تفيد ولا تعيد الماضي كما قال الدكتور غازي القصيبي:
ماذا يفيد تأوهي ودموعي ليست ليالينا بذات رجوعِ
مرت سرعاً كالخيال وخلفت ألم الحزين وحرقة الموجوعِ
وبقت لها الذكرى الطروب تلوح في قلبي وترتمي بضلوعي
والحنين إلى الأماكن ليس حنينا لبقعة جغرافية محددة من الأرض فقط بل إلى الذكريات والمواقف والأحداث وإلى الناس الذين سكنوا تلك الأماكن، وتركوا بها آثراً لا يعفو عليها الزمن . والحنين قد يدفع الإنسان إلى تجنب تلك الأماكن والابتعاد عنها لما تهيجه في النفس من شجون وآلام وما تنكأ فيها من جراح وأحزان لأن الحنين دافع لا شعوري يدفع الإنسان إلى العودة بالمشاعر والأحاسيس إلى تلك الأماكن وتلك الأيام التي مرت سراعاً كالخيال أو كأحلام يقضه مسافر على وسيلة سريعة
وقريتي من الأماكن التي تهيج في نفسي الحنين تهجع وادعة ببني سعد بوادي ألبان أحد أودية الشهبة ووادي ألبان وادي فحل جمعه بينان ترفده عدة أودية تمتد من الحدب والسراة قمم جبال تهامة لتصب في وادي سمار متجهةًإلى غزايل بالحارث ومن ثم إلى وادي تربة وقد قال فيها ( الأودية) شاعر الشهبة الراحل رحيم بن مرحوم الشهيب في إحدى محاوراته
السيل فرّع مع البينان وأنحبها حتى المعدي معه وصلة وشلالي
وقريتي تمد إطرافها الشمالية إلى ضفاف وادي الشهبه و تتشبث بأطرافها الجنوبية بسفح أحد الجبال الشم ، تلثم أطرافها الشرقية نسائم الصبا وتداعب أطرافها الغربية الرياح الغربية رحلت عنها جسديا منذ زمن لظروف الدراسة والوظيفة لكني لم انقطع عنها فلا زلت أتردد عليها في الأعياد والمناسبات والصيف لأنها لازالت مُصِّرة على أن تحتفظ بمكانها في الذاكرة لتبقى متنفسا وحنينا وجذوة حضور ومحرك عطاء ، مع أن بداية طفولتي كانت في البادية متنقلا مع الأسرة من مكان إلى آخر بحثا عن الماء والكلأ واحتفظ في ذاكرتي بذكريات جميلة وأخرى حزينة لبعض الأماكن ولكن حياة الترحال لا تجعل الارتباط بتلك الأماكن قوياً، أما قريتي فقد قضيت بها معظم طفولتي وشرخ شبابي وهي من أحب الأماكن إلى نفسي لأنها مقر النشأة، ومرتع الصبا ، أشم فيها عبق الماضي وصفاء نفوس القدماء وطيب معشرهم وحسن نيتهم ، ولله در ابن الرومي حين قال:

وحبَّبَ أوطانَ الرجــالِ إليهمُ مآربُ قضَّاها الشــبابُ هنالكا
إذا ذَكَـروا أوطانَهُم ذكـَّرَتْهمُ عهودَ الصِّـبا فيها فحنّوا لذلكا


فالحنين يشدني إليها كثيرا فأزورها أحيانا وحيداً لأقف على أطلالها وأتجول في ساحاتها وأسيابها وبين بيوتها الحجرية القديمة وأرقى بعض التلال المحيطة بها لأعيش مع الذكريات الجميلة ذكريات الطفولة وأزاهير الصبا مع أصدقائي الذين لم تلوث نفوسهم المؤثرات السلبية والمصالح الدنيوية بأحلام طفولية صغيرة نتقاسم اللقمة ونتشارك اللعبة والأمل يحدونا في غدٍ أفضل ومستقبلٍ أجمل عندما كنت كطائر حر يرفرف بجناحيه على أفنان الشجر يحدث دوح الغاب مستمتع بما حوله من جمال الطبيعة ، أركض خلف الأطيار وابحث عن أفراخها استحم في الغدران أوقات الأمطار ، واقطف أزاهير الربيع ، يلسعني زمهرير الشتاء، وتلفحني وقدة لهيب الصيف أرعى الماشية أحيانا و أفلح الأرض أحينا أخرى استيقظ مبكراً كأهل القرية لأستمتع بشروق الشمس وهي ترسل خيوطها الذهبية على قمم الجبال وإذا احتوى الليل القرية بجلبابه الداكن استمتع بالنجوم وضوء القمر الذي ينير سماء قرية بلا كهراء . ذكريات لا زال صداها محفورا في الذاكرة يعتادني حينا فحينا فتشعل جذوة الشوق والحنين إلى تلك الأيام الخوالي ،وإلى تلك الأماكن الجميلة وإلى أولئك الناس الذين غيب بعضهم الموت وطواه عنّا الردى فأضحى مَزَارهُ كما قال ابن الرومي بعيداً على قُرب قريباً على بُعدِ ، أو من حالت بيننا وبينهم الظروف الاجتماعية والحياتية فشغلت البعض وأبعدت البعض لتمر أمام عيني الذكريات كفلم سينمائي ممتع وأقول هنا كانوا هنا كنا.
هنا لهينا..هنا لعبنا.. هنا جرينا ... هنا بكينا ..هنا ضحكنا.. هنا فرحنا هنا تسامرنا في الظلام تحت النجوم الطوالع أو على ضوء القمر في الليالي المقمرة وهنا .. وهنا وهنا كنا نذاكر الدروس تحت الأشجار أو الكهوف مع الماشية في إجازات نهاية الأسبوع أو على ضوء الفانوس الخافت والقرية هاجعة تغط في نوم عميق بعد أن أسدل الليل عليها سدوله لا يخترق سكونها إلا أصوات تصاريف الرياح في نوافذ بيوت القرية أو حفيف أوراق الأشجار في الوادي أو المزارع التي تحتضنها. وهنا كنا نحتفل بالعيد أولاد وبنات . وهنا تلقفت وأنا بالصف السادس الابتدائي على ثلاث بنات من بنات الطائف أختين وابنة عمهما اللاتي كن يقضن العيد مع أسرهن في القرية عندما قابلتهن متجهات إلى بيت عروسة في ذلك العيد حاسرات الرؤوس على غير عادة بنات القرية و مضفرات شعرهن ضفيرتين وسألتهن بلهجة أهل القرية ( منين جايات) ردت الكبرى وكانت في سن الثامنة أو التاسعة دون أن تنظر إلي ( مالك دٌخٌل )( دو.. خو.. ل ) * وواصلن المسير إلى وجهتهن وقد أعياني الرد الذي لم أكن أتوقعه.
و قريتي كانت ولا زالت مقصد الضيوف وإغاثة الملهوف حيث اشتهر أهلها بالكرم قديما وحديثا لكن كرم اليوم من جده ( وفرة ) وكرم الأمس من قلة فلم يترك كرم الآباء والأجداد في أيديهم من حطام الدنيا شيء ولم تثنيهم قلة ذات اليد عن الكرم ولسان حالهم الحكمة القائلة ( الصيت ولا الغنى ) أو لسان حاتم الطائي عندما خاطب زوجته ماوية
أَماوِيُّ إِنَّ المالَ غادٍ وَرائِحٍ وَيَبقى مِنَ المالِ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

نعم لقد مضوا وبقيت ذكرهم خالدا ما بقي من يعرفهم وستبقي قريتي خالدة في ذاكرتي ما حييت
ــــــــــــــــــــــــــــ
* بعد اثنا عشر عام تقريبا صار لي ( دو.. خو... ل ) وقرصت إذنها على ذلك الرد القاسي .

بواسطة : عواض عوض الله الثبيي
 0  0  1.0K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 08:34 مساءً السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019.